اقرأ أقدم صحيفة من القرآن الكريم

تناقلت وسائل الاعلام في بريطانيا وحول العالم نبأ اكتشاف ما يعتقد انه أقدم صحيفة من القرآن الكريم في جامعة بيرمينغهام، والبعض تفاجأ كيف لأقدم قرآن أن يكتشف في بريطانيا! و الواقع أنهما ورقتين من رقاع الجلد، كانتا في أرشيف الجامعة لمدة 100 سنة ضمن مجموعة أرشيفية تسمى بمجموعة “ألفونس منغانا” نسبة إلى جامعها و هو مستشرق و كاهن كلداني ولد قرب الموصل في العراق سنة 1878 أيام الإمبراطورية العثمانية، اهتم بعلم اللاهوت و جمع المخطوطات القديمة و في 1913 هاجر إلى بريطانيا و عمل هناك كمدرس، و استمر في زياراته الى المشرق العربي و جمع المخطوطات القدية حيث شكل واحدة من أكبر المجموعات في العالم، و توفي في سنة 1937 في بيرمينغهام٠

اكتشفت الصحيفة حين كانت طالبة الدكتوراه “ألبا فيديلي” تعمل على مجموعة “منغانا” و لاحظت أن الورقتين تختلفان عن باقي المخطوطات و ذلك بسبب اختلاف الخط، بعد هذه الملاحظة المهمة من “ألبا” قررت الجامعة إجراء اختبار الكاربون و ترميم الورقتين، و أتت النتيجة المفاجأة و السارة للجامعة بأن عمر الجلد الذي كتبت عليه الآيات القرآنية يعود إلى فترة ما بين سنة 568 م و 645م بدقة تاريخ 95,4%، و تجب الإشارة الى أن هذه النسبة لا تدل على نسبة دقة القرآن في الصحيفة مقارنة مع القرآن الحالي، بل ما قصد بها هو نسبة دقة حساب عمر الصحيفة فقط، و يرجح أن القرآن الذي عليها كتب بعد مدة قصيرة من تحضير الجلد باعتبار أن المجتمع المسلم حينها لم يكن غنيا ليخزن الجلد لمدة طويلة٠

بالرجوع الى المجال الزمني الذي استخلص من فحص نظير الكربون فهو يمتد إلى السنوات الأولي من خلافة الصحابي عثمان ابن عفان رضي الله عنه

timeline

بطبيعة الحال لا يمكن اعتبار الفترة الزمنية قبل بعثة الرسول صلى الله عليه و سلم، بل أنه من المستبعد أن تكون الصحيفة قد كتبت في حياة الرسول (ص) ودليل ذلك من ما تواتر أن القرآن كان محفوظا في صدور القراء و كتبت أجزاء منه على العضم و السعف و الرقاع و غيرهاو لم يكن مرتبا على عكس هذه الصحيفة التي كانت كل آياتها مرتبة ترتيبا صحيحا و حتى سورة مريم و طه التي كتبت عليها أتت في ترتيب صحيح كذلك٠

و في زمن الخليفة أبو بوكر الصديق (رضي الله عنه)  جمع القرآن بعد حادثة اليمامة التي قتل فيها الكثير من حفظة القرآن، و قد جمع في صحف عند أبي بكر (و لم يرتب) و بعد وفاته انتقلت الصحف إلى عمر (رضي الله عنه) و بعد وفاة عمر حفظت عند ابنته حفصة أم المؤمنين إلى أن بعث الخليفة الثالث عثمان (رضي الله عنه) في طلب الصحف من حفصة و نسخها في مصاحف وزعت على الأمصار وأمرَ بحرق ما دونها من المصاحف٠

و الأرجح أن تكون هذه الصحيفة من زمن عثمان لأن في عهده كتب و رتب القرآن في كتاب، و الصحيفة تتبع الرسم العثماني بدقة، هذ بالإضافة إلى أن الصحيفة كتبت بالخط الحجازي و هذا ما يدعم قدمها لأنه من الخطوط الأولى في بداية الإسلام٠

dotet_text_v1

للوهلة الأولى ستلاحظ أن الصحيفة بدون تنقيط لكن
بالتمعن سترى نقاط خفيفة  و  لكن ليست على كل الحروف  و هذا ما قد يرجح أنها أضيفت في وقت لاحق من الزمان، من قارى كان يحاول وضع علامات خفيفة مع عدم التغيير في أصل الصحيفة و هو تنقيط أعاجم أي لتفريق الحروف في ما بينها مثل: ف، ق، س، ش و غيرها من الحروف المتشابهة لأن تنقيط الحروف في بدايته كان للشكل (وضعه ابو الاسود الدؤلي ) و قد وجدت مثالا جيدا على ذلك في نفس مجموعة “منغانا

النقاط باللون الأحمر كانت للشكل في بداية استعمالها
النقاط باللون الأحمر كانت للشكل في بداية استعمالها

 

استعملت في مقارنة هذه الصحيفة، مصحف  المدينة المنورة و لاحظت بعض الاختلاف في كتابة الألف في كلمات معينة و كذلك في فواصل الآيات و هذا شيء طبيعي لأن عثمان ابن عفان حين كتب المصحاف التي وزعت على الأمصار غير في كل مصحف لكي تشمل كل القراءت السبع المنقولة عن الرسول صلى الله عليه و سلم٠

و قد تواصلت مع الشيخ باسم جرار مدير مركز نون للدراسات القرآنية في رام الله بفلسطين و هذا ما أفادني به بخصوص هذه الصحيفة :

عندما تكون النسخ شخصيّة غير مدققة من أهل الاختصاص لا تكون رسميّة ولا تعتمد، ويغلب أن يكون فيها أخطاء. واليوم يتم اتلاف الطبعات التي لا تشرف عليها لجان. ولكن قديماً يمكن أن يكتب إنسان لنفسه أو لغيره مصحفاً ولا تعلم به الجهات المختصة، بل هذا قديماً كثير كثير

و هذا ما قال في حذف حرف الألف و اختلاف بعض مواقع الآيات:

بعض الألفات تحذف في بعض المصاحف وتثبت في مصاحف أخرى وهذا كان من زمن عثمان من أجل الإلمام بالحروف التي أقرها الرسول عليه السلام.

في أكثر القراءات طه ليست آية، وكذلك باقي الفواتح. في المصاحف المنتشرة الموافقة لقراءة حفص هي آية. فهناك كما تلاحظ 19 سورة فاتحتها آية و 10 سور فاتحتها ليست آية. وهذا كله بتعليم الرسول عليه السلام، يقول الصحابة:” كنا نتعلّم العدد”، ومن تعليمهم احتمالات ووجوه كما هو في القراءات؛ فالعدد مرتبط بالقراءة.

ملاحظة لطيفة أخرى في نهاية سورة مريم حيث انتهت السورة في وسط السطر فقام الكاتب بتشطيب أو تنقيط باقي السطر محاولة منه لمنع أي اظافة إلى السورة لاحقا، و للفصل بينها و بين سورة طه رُسمت خطوط متعرجة و زُينة بنقاط داكنة و قد يعتبر هذا بداية لزخرفة القرآن الكريم٠

في الصور المرفقة أسفله قمت بوضع نسخة مشكولة و معدلة الحروف جنبا الى جنب مع النسخة الأصلية و يمكن تحريك الفاصل العمودي لإظهار و إخفاء النسخة الأصلية لتسهيل المقارنة و القراءة، كذلك علّمتُ  فواصل الآيات بدوائر خضراء، و إلى اليمين  صورة من المصحف معلم عليها أماكن أرقام السطور في الصحيفة و قد خففتُ  من لون الحروف و الكلمات في المصحف لتطابق تلك الممزقة في الصحيفة لتوضيح أكثر٠

خلاصة القول:

القرآن وصلنا كاملا بالتواتر و العثور على صحيفة منه لا يغير في الواقع شيء خاصة و أنه لا يعرف كاتبها و من أين نسخت و في كل الأحوال هي متطابقة تماما مع قرآننا، لكن أهمية هذه الصحيفة تكمن في الجانب التاريخي حيث يمنك دراسة الخط و الجلد الذي كتبت عليه و قد يوفر هذا معرفة أوضح بالمجتمعات الإسلامية في ذلك الزمان٠

و النقطة الثانية و الأهم في نظري هي الرد على المشككين في القرآن و صحته من من يدعون أنه كتب بعد قرون من وفاة الرسول (ص) من المستشرقين و الملحدين و كل من يكيد بالعداء للدين الإسلامي، خاصة و أنها تأتي من جامعة في الغرب و باستعمال قياس علمي موثوق، أي أنهم اثبتوا لأنفسهم بسلاحهم أنهم كاذبين٠

 

 

 

 

:مصادر
كتاب رسم المصحف و ضبطه بين التوقيف و الصطلاحات الحديثة للدكتور شعبان محمد إسماعيل٠



Comments

comments